الرئيسية / مدونة المرأة / لماذا رحلت وتركتني أصارع الحياة مع أطفالي..؟

لماذا رحلت وتركتني أصارع الحياة مع أطفالي..؟

وفاء المحمد (كفرنبل)

“تجري الرياح بما لا تشتهي السفن”، مثلٌ شعبي لم أعرف معناه حتى دخل في حياتي، كنت أحيا حياة سعيدة مع زوجي وبناتي الأربعة، لم يكن ينقص علينا شيء إلاّ أنّ الله لم يمن علينا بمولود ذكر يحمل اسم العائلة، كنت أدعو الله أن يرزقنا بصبي حتى تكتمل فرحتنا، وبالفعل فقد حقق الله لي ما كنت أتمناه طوال سنوات.

منّ الله علينا بولد كالقمر في جماله، كنا أنا ووالده فرحين به كثيراً، ولكنّ ولدي هذا جاء مع اشتعال الثورة السورية ضد نظام الأسد في وطني سوريا، وكان والده من أنصار الثورة، وكان يخرج بالمظاهرات التي تدعو للحرية وإسقاط نظام الأسد.

كنت عندما أنظر إلى المتظاهرين وهم يجوبون شوارع مدينتنا كفرنبل منادين لإسقاط النظام أشعر بالفرحة والفخر لأن زوجي من بين هؤلاء المتظاهرين.

ما لبثت أن تحولت الثورة السلمية إلى ثورة مسلحة بسبب همجية نظام الأسد الذي لاقى تلك المظاهرات السلمية التي يحمل المتظاهرين فيها أغصان الزيتون بالرصاص الحي.

حمل زوجي السلاح في وجه ذلك النظام الغاشم، وكان من أوائل ثوار المنطقة الذين خرجوا في وجهه، شارك بتحرير المدينة من حواجز نظام الأسد التي كانت منتشرة في أنحاء مدينتنا، وبالفعل وبفضل من الله تمكن الثوار من تحرير المدينة من حواجز النظام كافة، كانت فرحتنا لا توصف فقد أصبح بمقدورنا أن نتجول في أرجاء مدينتنا دون خوف من هذه الحواجز.

لكن فرحتي لم تكتمل فلم يكتفِ زوجي بالمشاركة بتحرير المدينة من جنود الأسد، بل أصبح يذهب للمشاركة في المعارك التي كانت تدور في حلب وجبل التركمان ضد قوات الأسد المتواجدة هناك، وأنا كنت أقضي الأيام والليالي بالبكاء والدعاء أن يعيده الله إليّ سالماً.

كنت كلما أراد الذهاب إلى معركة أرجوه ألاّ يذهب خوفاً عليه، ولكنه كان يقول لي: “سوف أبقى أحارب هذا النظام المجرم إلى أن تتحرر كامل بلادنا من رجسه، أو استشهد فداء لهذا الوطن”.

وجاء اليوم الذي كنت أخشاه فقد ذهب زوجي للمشاركة في إحدى المعارك، وأنا يومها لم أستطع النوم ودموعي لا تفارق وجنتي خوفاً عليه أن يستشهد ويتركنا أنا وأولادي، وفي الصباح جاء أحد أصدقائه وأخبرنا بأن زوجي قد أصيب، ولكن إصابته خفيفة وقد نقلوه إلى المشفى ليتلقى العلاج، لم أصدق أنّ زوجي على قيد الحياة حتى رأيته بعينيّ، قلت له الحمد لله الذي أعادك إليّ، لن أسمح لك بالذهاب إلى جبهات القتال بعد اليوم، فنظر إليّ وتبسم.

أحضرنا زوجي إلى المنزل وقمت بالاعتناء به إلى أن تماثل للشفاء بفضل من الله، كنا أنا وأولاده بغاية السعادة لوجوده بيننا، وكنا نطلب منه ألاّ يفارقنا، وكان ينظر إلينا ويضحك ويقول لنا: ” نحن الآن معاً دعونا نعيش بفرح”.

كنت أظن أنّ إصابة زوجي بالمعركة هي فاجعتي الكبرى، لم أكن أعرف أنّ القدر يخبئ لي ما هو أقسى من إصابته، ذات يوم وبعد أن تعافى زوجي من إصابته بشكل كامل، أخبرني بعزمه على الذهاب إلى جبهات القتال، بدأت بالبكاء وطلبت منه ألاّ يذهب ويتركني وأولادي فنحن لا نستطيع العيش بدونه، لكنه ذهب رغماً عني، كنت لا أستطيع النوم ولا الجلوس في مكان واحد أصبحت كالهائم على وجهه لا يعرف له مكاناً يستقر فيه، كنت خائفة أن يتركني وأولادي في هذه الدنيا نصارع متاعب الحياة.

وبينما أنا في المطبخ أعد الطعام لأبنائي، فهم لازالوا صغاراً على معرفة ما يجري من حولهم، وإذ بي أسمع صوت سيارة الإسعاف وكأنها تناديني وتقول لي لقد رحل رفيق دربك وسندك في هذه الدنيا، حاولت تكذيب هواجسي حتى توقفت تلك الأصوات وتوقفت معها نبضات قلبي، لقد وقفت السيارة أمام منزلنا، خرجت لأنظر وإذا بهم يخبرونني بأن زوجي نال شرف الشهادة، صرخت بأعلى صوتي “لا لا لن تذهب وتتركني وحيدة في هذه الدنيا، كيف لي أن أعيش بعدك، أنت وعدتني أنك لن ترحل وتتركني أرجوكم ادفنوني مع زوجي فلم يعد لحياتي معنى بعد رحيله”.

بعد لحظات من البكاء والصراخ، أيقنت أن هذه الحقيقة المرّة التي يجب أن أرضخ لها، ذهب زوجي وذهبت معه كل أحلامي وآمالي في هذه الدنيا، ها أنا الآن أكابد مرارة الحياة بعد أن فقدت أغلى إنسان على قلبي، أتمنى من الله أن ينتقم لي ولنساء وأولاد الشهداء من هذا النظام الظالم.